أبي الفرج الأصفهاني

249

الأغاني

دعا المأمون بإسحاق فأحضره ، فأمره أن يغنّي في هذا الصوت [ فغنّى ] [ 1 ] : هل إلى أن تنام عيني سبيل / فغنّاه ؛ وكنت حاضرا فقلت : أحسن واللَّه يا أمير المؤمنين ، وما عدا بلحنه معنى شعره ؛ فقال المأمون : فإنّا نردّ الحكم إلى من هو أعلم بذلك منك ؛ فبعث إلى أبي ( يعني يحيى المكيّ ) فجيء به ، فخبّره بما قلت وما قال ، وأمر إسحاق بردّ الصوت فردّه ؛ فقال يحيى : أحسن إسحاق في غنائه وأحسن ابني في استحسانه ، إلَّا أنّ هذا اللحن يحتاج أن يسمع من غير حلق إسحاق ؛ فضحك المأمون ، وأمر لإسحاق بمال وأمر لأبي بمثله ولي بمثله . قال : ولم يكن في إسحاق شيء يعاب إلَّا حلقه ، وكان يغلب الناس جميعا بطبعه وحذقه . ضعف بصره والسبب في ذلك : قال : وأما السبب في علَّة عين إسحاق وضعف بصره ، فأخبرني به محمد بن خلف وكيع قال حدّثني به أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن مالك الخزاعيّ : أنّ إبراهيم ابن أخي سلمة [ 2 ] الوصيف نازع إسحاق في شيء بين يدي الرشيد من الغناء ، فردّ عليه ، فشتمه ، فردّ عليه إسحاق وأربى في الردّ ؛ فقال له إبراهيم : / أتردّ عليّ وأنا مولى أمير المؤمنين ! فقال له : اسكت فإنك من موالي العيدين [ 3 ] ؛ فقال له الرشيد : وأيّ شيء موالي العيدين ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، يشترى للخلفاء كلّ صانع وكلّ ضرب في العبيد للعتق ؛ فيكون فيهم الحجّام والحائك والسائس ؛ فهو أحد هؤلاء الذين ذكرت . قال : وخرج إبراهيم فوقف له على طريقه ، فلمّا جاز عليه منصرفا ضرب رأسه بمقرعة فيها معول ؛ فكان ذلك سبب ضعف بصر إسحاق . وبلغ الرشيد الخبر ، فأمر بأن يحجب عنه إبراهيم ، وحلف ألَّا يدخل عليه ؛ فدسّ إلى الرشيد من غنّاه : صوت من لعبد أذلَّه مولاه ماله شافع إليه سواه يشتكي ما به إليه ويخشا ه ويرجوه مثل ما يخشاه - الشعر لأبي العتاهية ، والغناء لإبراهيم ابن أخي سلمة الوصيف خفيف رمل . وفيه لعريب ثقيل أوّل . وقيل : إن لابن جامع فيه خفيف رمل آخر - فلمّا غنّي الرشيد بهذه الأبيات ، سأل عن صاحب لحنها فعرّفه ، فحلف ألَّا يرضى عنه حتى يرضى إسحاق ، فقام إسحاق فقال : قد رضيت عنه يا سيّدي رضاء حسنا ، وقبّل الأرض بين يديه شكرا لما كان من قوله ؛ فرضي عنه وأحضر وأمره بترضّي إسحاق ففعل . قصته مع إبراهيم ابن أخي سلمة بسبب الدخول على الرشيد : وأخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد عن أبيه قال : جاء إبراهيم ابن أخي سلمة إلى الرشيد فقال له : يا أمير المؤمنين ، إنّي أحبّ أن تشرّفني بأن تكون نوبتي ونوبة

--> [ 1 ] سياق الكلام يأبي هذه الكلمة ، ولعلها زيدت من النساخ . [ 2 ] في جميع الأصول هنا : « إبراهيم بن أبي سلمة » ، وقد اثرنا ما أثبتناه لأن الأصول قد اتفقت عليه عند ذكره في المرّات التالية . [ 3 ] في ح ، س ، ب : « موالي العيرين » بالراء المهملة .